الأستاذة مالكة عسال
- هل لك أن تحدثينا عن حياتك ودراستك؟1- مالكة عسال من مواليد 13/6/1954 بمدينة ابن أحمد إقليم سطات، ازدادت ببيت كبير يضم الإخوة الكبار والأعمام وأبناء الأعمام وزوجاتهم والجدة، حيث كانت التربية مشتركة بين الأمهات والآباء، كنت أنا الأنثى الوحيدة بين الذكور لأب ميسور الحال، رباني على الغنج حتى النخاع، مضت تسع سنوات من الطفولة في بيت ذهبي، وتشاء يد المنون أن تخطف الأب، وتقتسم الممتلكات فوق النعش بين الورثة، ويستقل كل واحد ببيته، ونصبح في تعداد الفقراء المعوزين لا حول لنا ولا قوة، وأعيش المرحلة الثانية بجبروتها وقسوتها من حيث قلة ذات اليد، على حافة اليتم يتكالب علي الزمن بلا شفقة، هذا عن الجانب الاجتماعي، أما من حيث الدراسة ، فمالكة عسال مرت بمرحلتين :مرحلة الكُتّاب وحفظ القرآن حتى سورة "الملك" بطريقة تقليدية تخلو تماما من أية بيداغوجية، حيث مورست علي إلى جانب "المحضرة" أي التلاميذ بمفهوم اليوم، ألوان العقوبات من طرف الفقيه بالعصا أي "المشحاط" كما نسميه بالعامية المغربية، مما جعل الفقيه ينطرد بسببي من طرف أبي، وأنفر أنا من الكتاب بسبب الفقيه، مكثت دون دراسة سنتين، ثم التحقت بالمدرسة وأنا ابنة عشر سنوات، خجلت لكبر سني، لكن وجدت من هم أكبر مني، لأنه وقتها كان التلاميذ يلتحقون بالمدرسة دون احتساب السن، وكنت من النجباء والنجيبات في المدرسة حيث أصبحت أحصد الجوائز، وأحظى بمعزة خاصة لدى الأساتذة والإدارة المدرسية والأصدقاء، وهذه الوضعية كانت الحافز الحقيقي على المثابرة وبذل المجهود، كنت بين زملائي أميرة إذ توطدت العلاقة معهم أكثر، وكنت أرافقهم إلى منازلهم للمراجعة والحفظ ولا أعود إلى البيت إلا بعد يومين أو ثلاثة أيام... مرت الدراسة الابتدائية والإعدادية في مسقط رأسي، لأتابع الثانوية بمدينة الدار البيضاء الكبيرة بثانوية أحمد شوقي، وبعد حصولي على الباكالوريا شعبة الأدب العربي، التحقت بالمركز التربوي للأساتذة وتشاء الأقدار مرة أخرى أن أصاب بكبوة صحية لا أتمم فيها التعليم، وأقضي سنة بيضاء لأنهض من وعكتي ثانية، وألتحق من جديد بالتعليم الابتدائي، حيث مازلت أمارس هذه المهنة حتى الآن.
2
- ما أنواع الكتب التي تجذبك وتطالعينها غالبا؟2- لم يكن لدي نوع خاص من الكتب على انفراد، بل كنت أطارد الكتب الجيدة في أي مجال، ابتدأت بقصتي "بائعة الخبز"والبؤساء" لأنعطف بعدها نحو كتب جرجي زيدان، واستقر لاحقاً بقصص الأديب نجيب محفوظ، كوصلات استراحة أو للتنويع، كنت أتناول القصص الصغيرة لمصطفى لطفي المنفلوطي أو لجبران خليل جبران، فهذه الأنواع كانت بمثابة قاعدة ثقافية، غير أنه أثناء العمل وإنجاب الأبناء لم أعد أطرق عالم الكتب، لأتفرغ للبيت وتربية الأولاد ما أحدث شرخا كبيرا بيني وبين الثقافة، والذي زاد الطين بلة ممارسة التعليم بالأقسام الصغرى، فتحجرت دماغي ولم أعد أستطيع ولو كتابة رسالة، وبعد أن كبر الأبناء، ودخلت عالم الكتابة وأنا خالية الوفاض من أي أفق معرفي يعجزني أحيانا على القيام ولو بحوار بسيط، أصبحت أتردد على محلات الكتب وأنا أجهل تماما كيفية اقتنائها حسب المواضيع المهمة، لكن بالاحتكاك مع الزملاء، وبمن لهم باع طويل في هذا الميدان، أصبحت أترصد كل ما هو جديد إن على المستوى المغربي أو العربي أو العالمي.
3- ما هي أهم الدوريات التي نشرت فيها؟في البداية كان النشر صعبا كما هو الشأن لأي مبتدئ، حيث قوبلت موادي بالرفض تارة، والإهمال أخرى من طرف الجرائد الورقية، لكن بعد ذلك احتضنتها جريدة "بيان اليوم" ثم جريدة "التجمع الوطني للأحرار" فصحيفة المستقبل، لتغزو نصوصي كل الصحف الوطنية، ثم جاء دور الإذاعات الوطنية لتحظى بنصيبها الأوفر:
إذاعة وجدة ضمن برنامج 'حدائق الشعر' مع الدكتور محمد بن عمارة
إذاعة طنجة ضمن برنامج'أصوا ت شعرية ' مع الشاعر حسن مرصو
إذاعة عين الشق ضمن برنامج 'فضاء وإبداع' مع الأخ أحمد علوة
إذاعة عين الشق ضمن برنامج ' من وحي الصيف' ع الأخ محمد با عمران
إذاعة أف- أم : ضمن برنامج 'سكن الليل ' مع الأخ محمد البقالي
إذاعة الرباط ضمن برنامج ' منتدى الشباب' مع الأخ سمير الريسوني
إذاعة الرباط ضمن برنامج 'سكون الليل' مع الأخت المرحومة حياة بلعولة
إذاعة فاس ضمن برنامج 'بقعة ضوء'مع السيد نجيب طلال
إذاعة طنجة ضمن برنامج تأملات' مع السيدة خديجة
كما توسع النشر عبر الصحف والمواقع والمجلات والمنتديات الإلكترونية، وعن طريق هذه الأخيرة تم نشر النصوص في بعض المجلات الورقية العربية والعالمية: مثل مجلة "هلال" المصرية ومجلة "الحركة الشعرية المكسيكية"، كما ترجمت لي بعض النصوص إلى اللغة الإيطالية ونشرت بجريدة إيطالية وكذلك إلى اللغة الفرنسية
4- لكل عالمٍ ومفكر وأديب مصادر أسهمت في تكوين خلفيته الثقافية العامة من جهة، وتنمية وتطور ملكاته في مجال تخصصه. فما هي مصادر ومناهل المعرفة التي كان لها أكبر الأثر في تكوين خلفيتك الثقافية العامة وأيضاً خلفيتك العلمية في مجال تخصصك الأكاديمي؟كما يعلم الكل أن التكوين الثقافي يصاحب المرء من المهد إلى اللحد، فتكويني الثقافي ساهمتْ فيه عدة مصادر: أبدأها بحكايات الجدتين والأخوال التي كنت أتخيلها متقمصة أدوار شخوصها، فتشبع فضولي بعبرها ومواعظها، ثم كان للمسيد دوره الديني، فتربيت على الحياء والحشمة واحترام الأكبر ووقار الأصغر، وتأتي الداخلية أثناء الدراسة الثانوية والاحتكاك بالتلميذات من مناطق مختلفة من المغرب، حيث أتلمس أشياء جديدة عن طريق تبادل الأفكار والاطلاع على عادات وتقاليد بعضنا..وانضمامي للنقابة الوطنية للتلاميذ، وقراءة الكتب الماركسية اللينينية كانتا عاملا مهما، زودني ببعد تقدمي مبني على الحوار واحتواء الآخر مع نبذ الرجعية والأسلوب القمعي ومناشدة الحرية. هذا التفتح جعلني أحب الإنسان لأنه إنسان كيفما كان نوعه دون تمييز عرقي أو ديني أو لوني، وبعد توقف دام أكثر من 20 سنة، حيث كبر أبنائي، وبالضبط مع موسم الكتابة انخرطت في جمعيات حقوقية ونسائية، فكان لها هي الأخرى فضل كبير في هذا الجانب، إذ غرست في َمبادئ إيجابية: فتعلمتُ الانضباط واحترام المواعيد والاهتمام والتتبع وإبداء الرأي هذا فضلا عن قراءة الكتب بنهم، والاطلاع على التجارب وحضور لقاءات أدبية محليا ووطنيا...
5-من هم أبرز الأساتذة الذين تتلمذت على يديهم وتفتخرين بهم ولماذا؟كما قلت كان لدي تقدير واسع من طرف الأساتذة إلى جانب الأصدقاء، وكنت أحبهم، وأساتذة ذلك الوقت كان لهم ضمير مهني حي صرف ولو بأسلوب قمعي تقليدي نوعا ما، فما قدموه لنا مازال محفورا في الذهن والذاكرة لحد الآن، كان لكل أستاذ جانب مضيء نحبه فيه ونتذكره به، وأغلبيتهم كانوا أكفاء، لا يقدمون لنا المعلومات إلا بعد تمحيصها والإلمام بها إلى درجة أننا حاليا نستعمل نفس الأسلوب مع تلامذتنا لما يتعذر التجاوب، وتعطي أكلها على أحسن وجه، لكن هذا لا يمنع أن أستاذا ما قد استحوذ على المشاعر وأثر فيَ بشكل كبير وأذكر على سبيل المثال الأستاذ "الحاج قانت" الذي كان رساما وخطاطا وطموحا وذا اطلاع واسع، قاسيا حد الصخر، لينا حد الزبد، تطبع معاملته الصرامة والجدية، وقوة الشخصية، تعلمت منه الخط والرسم والجدية والصدق... والمفاجأة أن هذا السيد أصبح عدولا وهو من كتب عقد قران ابني على زوجته...
6- ما أبرز الإنجازات المهنية التي حققتها شخصيا؟تواجدي في حي شعبي، ومدرسة تخلو تماما من أي فضاء ملائم، يساعد على العطاء لم يفسح المجال بالشكل المطلوب، لكن على الرغم من ذلك لم أبق مكتوفة الأيدي، فبطريقة عصامية حققت إنجازات أعتز بها، حيث خلقت من التلاميذ فرقا مسرحية كان لها الصدى على مستوى النيابي الأكاديمي، وبالتوازي كونت من التلاميذ فريق "بلابل السلام" يتغنى عن آلة" اللورغ" بالكلمة الملتزمة، أغلبها من أشعاري وكان له إشعاع واسع على المستوى الوطني ومازال لحد الآن ..كما أني عضوة بمجالس تربوية وتدبيرية وتعليمة بمؤسستي، لتدبير شؤون التلاميذ التربوية منها والاجتماعية والثقافية، وصيانة المدرسة والمحافظة على ممتلكاتها وفي ما يخص أموري المهنية الشخصية، فقد حققت ترقيات حسنت وضعيتي المادية نوعا ما..
7- ما هي المشاريع التي تحلمين بإنجازها وما هي الطموحات التي تسعين لتحقيقها؟كل المشاريع التي أحلم بها ليست شخصية، وتنصب كلها في بوتقة واحدة، وهي الطفل كرجل للغد، من ضمنها خلق مكتبات مزودة بالكتب والحواسيب، لنشر ثقافة المطالعة والقراءة، وغرس روح البحث والتنقيب منذ الصغر فيهم، على اعتبار أن المؤسسات التعليمية لا يمكن أن تعطيهم كل شيء، ومن وجهة أخرى الأطفال يضيعون في خضم الأمية المتفشية بين أولياء أمورهم وآبائهم وأمهاتهم، إذ لا يمكن لهؤلاء متابعة دروس أبنائهم في الصفوف الدراسية، ولا تقديم المساعدة لهم في ذلك..
8- ما هي مواهبك، وهل من هوايات ماتزلين تمارسينها حتى الآن؟المواهب عادة تخلق مع الإنسان، لكن جواهرها تحت الرماد، ولا تلمع أو تتوهج إلا إذا نبشنا عنها، هواياتي متعددة مابين مواهب امرأة كربة بيت: مثل التطريز والحياكة والخياطة والطبخ ..ومواهب أخرى لامرأة مثقفة كالرسم والرسم الكاريكاتوري والتمثيل، وحضور السباقات الماراطونية وسباق السيارات، وعروض السينما والعروض المسرحية، لكن لما ابتليت بهَمّ الكتابة الجميل، حلت محلها معانقة جهاز الكمبيوتر لساعات طوال، ثم القراءة وتتبع النصوص الجديدة والبحث عن الجميلة منها في غابات الإبداع ..
9- ما هي المحاور الأساسية التي كتبت عنها والتي لا تزالين ترى نفسك تستمتعين بالكتابة عنها؟الكتابات كلها تنصب في بؤرة واحدة، وهي تتناول في الغالب البعد الإنساني بهمومه، و قضاياه محليا ووطنيا وعربيا وعالميا، حيث نددت ضد الأفكار المضطهدة للمرأة السالبة لحقوقها، وشجبت بشدة أساليب التهميش التي أفرزت الإنسان العاطل رغم الشواهد، وإنسان الأرصفة، وصرخت ضد الحروب القاتلة للأطفال، المشردة للإنسان، الصادرة للهوية، مغتصبة الأراضي مبعدة المواطنين عن ديارهم، وتفضح جهارا حالات الإنسان الجائع، وتشخص بالمباشر وضعية المقهور ...كما تتناول كتاباتي من وجهة أخرى تأملات واسعة للكون والوجود، والموت وآيات الخلق وأسرار الحياة المبهمة التي تقطعت فيها أواصر الحب بين الأفراد، وبهتت أمشاج المودة، وسادت فيها قيم الكره والبغض والجفاء بكل ألوانها..
10- هل يمكن أن يتقاعد الكتاب والمؤلفون في نظرك؟ حين تنغرز شوكة الإبداع في المبدع، لا أظن أنها ستخرج بقدر ما تتغلغل بعمق، حيث يضحي الكاتب بكل ما يملك ليفرض الاستمرارية دون أن يعير اهتماما للجانب المادي أو النفسي خدمة للأدب، قد يحدث للأديب أن يصاب بالملل، أو يهيمن عليه مشكل ما، فينقطع لفترة محدودة قد تطول أو تقصر كاستراحة، أو إعطاء نفسه فرصة لملمة أفكاره أو اختمارها، لكن بعدها يعود للكتابة من جديد بشكل أقوى، والأمثلة في هذا المضمار كثيرة: مثل الكاتب المصري سعد يوسف، أو الأديبة المغربية خناثة بنونة ..
11- يقال أن ترجمة الشعر من لغة إلى أخرى صعبة، فكيف يمكن إزالة تلك الصعوبة؟ الترجمة هي صلة وصل بين لغتين كوسيلة أساسية لتلاقح التجارب. وبوابة رئيسية للإثراء، والمترجم حين يدخل هذا الباب فإنه يدخل مغامرة صعبة من أوسع أبوابها، وطبعا لا يمكن إزالة الصعوبة مرة واحدة، لكن يمكن استسهالها والتقليص منها بالالتجاء إلى عدة سبل من ضمنها: اللجوء إلى المعاجم في اللغتين للإلمام بالمصطلحات، الاطلاع على الكتب باللغتين لتقوية الرصيد اللغوي، الإلمام بالبحث في اللغتين..
12- هل يمكن ترجمة الشعر، بحيث تحقق الترجمة نفس التأثير في الثقافة واللغة المترجم إليها؟الترجمة هي تحويل النص من لغة إلى لغة أخرى وهي عملية شاقة وتتطلب مجهودا، وعملا متواصلا يتأسس على الدربة والمراس، وأنا قد حضرت لقاء في الموضوع لأحد المترجمين فقال: "أنا من أجل جملة واحدة قرأت ثلاثة كتب" إذن فكم يلزم المترجم من قراءة كتاب ليترجم نصا بأكمله؟ وعليه فمهما فعل المترجم فلن يفي بالغرض المطلوب، وإلا لما قيل الترجمة خيانة للنص الأصلي، غير هذا وذاك، فالنص الأصلي له ظروف خاصة زمنكانية وقلق ومخيلة لكاتب له حس ووعي مختلف فيه عن المترجم جملة وتفصيلا، يصعب أحيانا على المؤلف نفسه إعادة تمثل النص مرة ثانية..
13- هل تعتقدين أن الجمعية خلقت وعيا حقيقيا ووضعت الأسس لنهضة عربية شاملة؟كل عمل منجز يعد خطوة إيجابية، وسلسلة الإنجازات وعملية تطويرها عن طريق النقد والانتقاد وإضافة شيئا جديدا إليها لا تتوقف بطبيعة الحال، وحين نقول: إن الجمعية قد خلقت وعيا حقيقيا لنهضة عربية شاملة كاملة وكفى، نكون قد قضينا عليها لماذا؟ لأن عملية التطوير والتجديد مستمرة باستمرارها، لكن هذا لا يمنع أن نثمن مجهودها، كأكبر صرح ثقافي على الصعيد العربي والعالمي عرفته الحركة الأدبية في الألفية الثالثة، حيث قدمتْ للأدب الشيء الكثير، إن على مستوى النقد أو تمحيص النصوص أو على مستوى الترجمة، أو عن طريق تنويع التيارات الثقافية فأيقظت الأدب من غفوته وأعادت له الشباب.
يتبع